واصف جوهرية
172
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
كانت مأساة في ذلك اليوم المشؤوم وقد حضر جميع المدعويين من العائلات لحضور عماد حنا بن متري عبد اللّه المنى وسهروا على جثته إلى صباح الاثنين بألبستهم البهيجة كما كانت العادة آنذاك رحمه اللّه . أما أنا فكان وقع وفاة والدي علي وقع الصاعقة على رأسي ، فقد أظلمت الدنيا في وجهي وهالني المصاب وفكرت بمستقبلي المظلم وأنا لم أزل في السادسة عشر من عمري وأصبحت مسؤولا بالعائلة لأن أخي توفيق لا يقدر المسؤوليات في كل أعماله ومنذ نشأته وأخي خليل في بيروت ، ثم وقد أغلقت مدرسة المطران وضاع مستقبل علمي فيها فلم أستطع تحمل كل هذه الأفكار وخصوصا فراق والدي ذلك الوالد النادر المثال والذي أعبده وأحترمه وأفتخر به كما قال الشاعر " أين للناس أب مثل أبي " وهكذا كاد يغمى علي فأخذني الجيران ونمت بدون حراك في غرفة نور المنى إلى الصباح لم أعي على شيء واللّه يشهد . حضر العم بل والدي الثاني حسين أفندي الحسيني حالا في الصباح معزيا ، وبذات الوقت جامل الوالدة وطيب خاطرها ووعدها بكل ما يلزمها وأولادها منذ تاريخ وفاة الوالد وأخذني بيده واشترى لي بدلة سوداء مقلمة وشجعني على السير بالحياة ووعدني بأن أكون دائما معه في العمل فشكرته . وقد ذهب توا إلى البطريركية وهناك رتب أمور الجناز بكل دقة وأمن على مصروف الجنازة التي تليق بالوالد على نفقة البطريركية وهكذا كان . الجنازة تحرك موكب الجنازة في الساعة الثالثة من بعد ظهر الاثنين 23 أيلول سنة 1914 من دار الجوهرية في حي السعدية تتقدمها شاويشية البلدية وفريق من قوة البوليس ثم القواسة والكهنة جميعها خارقة سوق باب العامود وخان الزيت وقد أغلقت أكثرية أصحاب الدكاكين ومشت في الجنازة وفي الكنيسة كان نيافة المطران الذي أقام خدمة قداس الجنازة وبعدها كان موظفي الحكومة والبلدية والدير وجمع غفير من الشعب على إختلاف أديانه من مسلمين ومسيحيين ويهود إلى أن وصلنا إلى مقبرة صهيون . وهناك تقدم الأستاذ السكاكيني فابن الفقيد الغالي وأذكر مما قاله في كلمته " بمناسبة وفاة الجوهرية انقرضت دولة الظرف " ثم تبعه الشيخ علي الريماوي صديق الوالد الوفي ومما قاله " لم أصدق أن روح الجوهرية تبقى في صهيون بل تنتقل في هذه الليلة إلى مأمن اللّه " « 1 » وعندما قال هذه الكلمات بدأت عجائز الطائفة تقول " يوه يبقى هيك ؟ صاير مسلم يا أختي من كثر ما بيعاشر المسلمين إلا . " وهكذا انكسفت والدتي وحاولت أن تدافع عنه . والجدير بالذكر أن الشيخ علي الريماوي المومى إليه هو الذي عمل القبر على نفقته ، وقد حفر على بلاطة القبر بيتين من شعره : تضيء مثواك نور الشمس مشرقة * على ضريحك في فردوسك الزاهي لا زلت جرجس فيه جوهرا أبدا * عليك في كل حين رحمة اللّه
--> ( 1 ) المقصود مقبرة الروم الأرثوذكس على جبل صهيون في القدس . ومأمن الله هي موقع مقبرة المسلمين غربي البلدة القديمة في المنطقة المعروفة اليوم ب " ماميلا . "